قامت حملة ترمب بالكثير من التصرفات التي قد تعتبر دنيئة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. على سبيل المثال، قامت الحملة بتوجيه اعلانات عبر فيسبوك تستهدف الأميركيين من أصول أفريقية، تحثهم على مقاطعة الانتخابات كونها غير عادلة، بغرض تقليل الأصوات المضادة لترمب.
لا أريد أن أتحدث عن هذا التصرف من الناحية الأخلاقية، بل الحديث عن سماح فيسبوك لمثل هذه الاعلانات بالظهور، ولو لم يتم البحث والتدقيق، لمر هذا التصرف وغيره مرور الكرام. هذه التصرفات من الصعب تطبيقها على أرض الواقع لسهولة كشفها، لكن في عالم الشبكات المغلقة، حيث المال هو المحرك، سيسهل على الكثير نشر أفكارهم والتأثير على الآخرين…صحيح أن الانترنت مفتوح ولكن ليس بالقدر الذي يسمح لنا بفهم الصورة الكاملة، وهو ليس منصة حرية التعبير التي لايشوبها أي شائبة.
في عدد فبراير من مجلة Wired تحدثت الأكاديمية التركية زينب توفيقي، عن الاعتقاد المضلل بأن الانترنت دشنت وعززت “العصر الذهبي” لحرية التعبير. فالبرغم من طبيعة الانترنت المفتوحة، إلا أن مستخدميها يعيشون في فقاقيعهم وعوالمهم الخاصة، ولا يخوضون أي حوار بنّاء ومفتوح مع بقية أفراد المجتمع الذين لا يتفقون معهم في الفكر.
يتركز غالبية مستخدمي الانترنت في مواقع كبيرة أهمها فيسبوك ويوتيوب، يليها الشبكات الأصغر مثل انستجرام، تويتر، وسناب شات. جميع هذه المواقع مسيَّرة باقتصاد الاعلانات، لذلك تعمل خوارزمياتها على تقديم محتواً يجذب اهتمامك ويبقيك على الخدمة. ولن ترى مواضيعاً أو فيديوهات مقترحة، عن أمور لا تقع داخل دائرة اهتماماتك، ولذلك فأنت مُغيب إلى حد ما ولا تعرف عن نوع المحتوى المختلف الذي ينتج لجمهور آخر. ولا أقصد المحتوى المسلي، بل الأخبار والأراء والنقاشات التي تدور في دوائر منفصلة ذات اهتمامات مختلفة.
يردد بعض محبي الحرية أن فيسبوك كان الأداة التي سمحت للثوار المصريين باللقاء، والتنظيم، الذي أدى إلى اسقاط النظام (وهي فكرة سطحية)، لكن مثلما كان فيسبوك مكاناً للقاء الثوار والأرواح التواقة للحرية، فهو أيضاً مكان يسمح للأشخاص العنصريين والمتعصبين باللقاء، والنقاش في الأمور التي تزيد من قناعاتهم وكل ذلك في مساحة محاطة بخوارزميات تُبقي المحتوى الظاهر ضمن دائرة اهتماماتهم فقط، هذا الشيء يعزز قناعاتهم ويزيدها قوة، ومع أنها قد لا تؤدي بالضرورة إلى قيام ثورة أو قلب نظام إلا أن تخلق انقسامات في الأفكار والتوجهات دون أن يعي كل طرف بالآخر. كل هذا من أجل عرض المزيد من الاعلانات. ومن يدري ماهي النقاشات التي تدور ضمن هذه الدوائر؟ ماهي الأمور التي يتم الإتفاق عليها؟
إذا كانت الشبكات الاجتماعية محايدة فعليها أن تحسّن من خوارزمياتها بشكل يظهر الصورة بشكل أوضح للكل بدل عزلنا في “منطقة الراحة” الخاصة بنا، لأن هذا الشيء يساعد المجتمع على فهم نفسه بشكل أفضل بدل أن نصدم بوجود نسبة كبيرة من العنصرية والتطرف وغيرها من الأمور.