انسخ الفكرة وانطلق: درس صيني

استمعت للنسخة الصوتية من كتاب AI Superpowers للصيني كاي فو لي الذي شغل عدة مناصب تقنية أهمها في جوجل ومايكروسوفت، ويعمل حالياً كمدير لصندوق استثمارات متخصص في الشركات التقنية في الصين.

يحاول الكتاب شرح عالم ريادة الأعمال الصيني، واختلافه عن وادي السيليكون. وأحد الأمور التي تحدث عنها كاي فو هو الحرب الضروس بين رواد الأعمال الصينيين. فالمنافسة في وادي السيلكون أشبه بحرب النبلاء، وكل شركة تحاول أن تقدم شيئاً جديداً تتميز به عن الأخرى.

تختلف عقلية رواد أعمال الصين عن وادي السيلكون، فهم لا يرون عيباً في نسخ أفكار الأخرين بشكل مباشر، ومن القصص التي تبين هذا الإختلاف قصة وانج شينج، رائد الأعمال الشهير.

أثناء دراسة شينج للدكتوراة في الولايات المتحدة وقعت عينه على شبكة Friendster التي تعتبر من أوائل الشبكات الاجتماعية، وفكر أن نسخة صينية من الخدمة سوف تحقق نجاحاً كبيراً، فقرر ترك دراسته وعاد للصين لينفذ فكرته، إلا أنها لم تنجح.

لم يتوقف شينج عن المحاولة، وحين برز نجم فيسبوك في الولايات المتحدة، قام بنسخه وأطلق على موقعه إسم شاونيي (Xiaonei)، ومثلما كان فيسبوك حصرياً على طلبة الجامعات الأمريكية في بدايته، كان شاونيي حصرياً بطلاب الجامعات الصينية. في هذه المرة قد قام شينج بنسخ تصميم فيسبوك كما هو، لدرجة أنه وضع جملة “صنع بواسطة مارك زكربيرج” في جميع صفحات الموقع، وهذه الجملة كانت موجودة على النسخة الأولى من فيسبوك.

حقق شاونيي نجاحاً، ولكن زينج قام ببيعه لاحقاً لعدم قدرته على تغطية تكاليفه العالية، ويُعرف الموقع الآن بإسم رين رين (Renren) وهو من أشهر الشبكات الإجتماعية في الصين.

بعد بيع شاونيي، قام شينج بتكرار نسخ الشبكات الاجتماعية، وهذه المرة مع تويتر وقام بإطلاق فانفو (Fanfou) الذي تم إيقافه لاحقاً بسبب نشر البعض للمحتوى السياسي وهو أمر حساس جداً في الصين. وحين شهد عالم الإنترنت صعود شركة جروبون (Groupon) التي تقدم خصومات جماعية، قام شينج بإطلاق ميتوان (Meituan) ولكنه قصره على خصومات المطاعم، ومع ذلك يعتبر ميتوان من أنجح المواقع في هذا المجال، ودخله السنوي يتجاوز المليارات.

قد تعتقد أن الوصفة أعلاه سهلة، لكن “الشيطان يكمن في التفاصيل”. صحيح أن زينج نسخ الكثير من الأفكار الغربية وحاول تطبيقها في السوق الصينية، إلا أنه لم يكن الوحيد، فالكل كان ينسخ نفس الفكرة والكل يتصارع للفوز بحصة من السوق، لذلك ترى أن الشركات الصينية سريعة جداً في النسخ والتحسين بشكل مستمر، ولعل هذا مايميزها عن شركات وادي السيليكون، لكنه حول عالم ريادة الأعمال الصينية لساحة حرب مستمرة لدرجة أن العديد من رواد الأعمال لا يأخذون أي إجازة أسبوعية لأن التوقف بالنسبة لهم يعني الغرق وفوز الأخرين، وهذا يذكرني ببعض أنواع أسماك القرش التي تحتاج للحركة بإستمرار كي تتنفس.

لا تعتقد أن قصة زينج وحيدة، فالنسخ يحدث على مستوى الشركات الكبيرة، فكل من Alibaba و Tencent تنسخ من بعضها وتقلد بعضها وتوجد بعض الأمثلة التي ذكرها كاي فو لي في كتابه.

لو أردنا الخروج بفائدة من التجربة الصينية، فهو أن نسخ الأفكار ليس عيباً كما نتصوره، ولكن المهم هو أن تستمر في تحسين الفكرة والبناء عليها، ولكن لا ضرر من أن تستعير من هنا وهناك، فهذه سنة الحياة، وإلا لاكتفينا بشركة سيارات واحدة، شركة تقنية واحدة، ومطعم واحد.

تستطيع شراء كتاب “AI Superpowers” عبر رابطي على أمازون.

نُشرت بواسطة

ثمود بن محفوظ

كاتب، ناقد وبودكاستر في التقنية، الألعاب والمجتمع.